ابن قيم الجوزية
50
الروح
فأنت ؟ قال : علم قلة رغبتي في الطعام فأباحني النظر إليه . وقال أبو جعفر السقاء : رأيت بشر بن الحارث في النوم بعد موته فقلت : أبا نصر ما فعل اللّه بك ؟ قال : ألطفني ورحمني وقال لي : يا بشر لو سجدت لي في الدنيا على الجمر ما أديت شكر ما حشوت قلوب عبادي منك ، وأباح لي نصف الجنة فأسرح فيها حيث شئت ، ووعدني أن يغفر لمن تبع جنازتي ، فقلت : ما فعل أبو نصر التمار ؟ فقال : ذاك فوق الناس بصبره على بلائه وفقره ، قال عبد الحق : لعله أراد بقوله : نصف الجنة ، نصف نعيمها ، لأن نعيمها نصفان ، نصف روحاني ونصف جسماني ، فيتنعمون أولا بالروحاني ، فإذا ردت الأرواح إلى الأجساد أضيف لهم النعيم الجسماني إلى الروحاني ، وقال غيره : نعيم الجنة مرتب على العلم والعمل ، وحظ بشر من العمل كان أوفى من حظه في العلم ، واللّه أعلم . وقال بعض الصالحين : رأيت أبا بكر الشبلي في المنام وكأنه قاعد في مجلس الرصافة بالموضع الذي كان يقعد فيه ، وإذا به قد أقبل وعليه ثياب حسان ، فقمت إليه وسلمت عليه وجلست بين يديه ، فقلت له : من أقرب أصحابك إليك ؟ قال : أكثرهم لذكر اللّه ، وأقومهم بحق اللّه ، وأسرعهم مبادرة في مرضاة اللّه . وقال أبو عبد الرحمن الساحلي : رأيت ميسرة بن سليم في المنام بعد موته فقلت له : طالت غيبتك ! فقال : السفر الطويل ، فقلت له : فما الذي قدمت عليه ؟ فقال : رخص لي لأنا كنا نفتي بالرخص ، فقلت : فما تأمرني به ؟ قال : اتباع الآثار ، وصحبة الأخيار ، ينجيان من النار ، ويقربان من الجبار . وقال أبو جعفر الضرير : رأيت عيسى بن زاذان بعد موته ، فقلت : ما فعل اللّه بك ؟ فأنشأ يقول : لو رأيت الحسان في الخلد حولي * وأكاويب معها للشراب يترنمن بالكتاب جميعا * يتمشين مسبلات الثياب وقال بعض أصحاب ابن جريج : رأيت كأني جئت إلى المقبرة التي بمكة ، فرأيت على عامتها سرادقا ، ورأيت منها قبرا عليه سرادق « 1 » وفسطاط « 2 » وسدرة
--> ( 1 ) السرادق : واحد السرادقات وهي التي تمد فوق صحن الدار ، وكل بيت من قطن فهو سرادق . ( 2 ) الفسطاط : بيت من شعر .